السيد عبد الأعلى السبزواري

250

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

في سلوة من العيش أي : في رغده . والإنزال بمعنى الخلق والإيجاد ، وحيث يصدر كل منهما من مبدأ عال بكل معنى العلو يصح إطلاق الإنزال عليه ، كما في قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [ سورة الحديد ، الآية : 25 ] . والمعنى : أنزلنا عليكم الخيرات والبركات ، وما يوجب رغد العيش ويشهد لهذا التعميم ذيل الآية الشريفة كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ فإنها في مقام الامتنان . وقد فسر المنّ بعض المفسرين بأنه مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس لأجل الاستفادة منها ، والسلوى : بالسمانى وهو طائر معروف . وهذا يكون من باب التطبيق ، لا بيان المعنى الحقيقي ، ويأتي شرح ذلك في قصة التيه في سورة المائدة إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ . الطيب ما تستطيبه النفس ، وهو من الأمور الإضافية فرب طيب يستطيبه قوم دون آخرين ، وذكر كلمة « من » في الآية الشريفة لهذه الجهة . أي : ليأكل كل منكم ما يشاء ويستطيبه . وسياقها يدل على وفور النعم وكثرتها ، ولكنهم قابلوها بالكفران والمعاصي كما أشارت إليه الآية المباركة . قوله تعالى : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . في هذه الآية الشريفة إشارة إلى أمر وجداني وهو كل من كفر بنعمة أسديت اليه فقد ظلم نفسه ، لأن ذلك سبب لانقطاع تلك النعمة وزوالها ، أو يستوجب عذاب اللّه تعالى ، ومما ظلموا به أنفسهم جحودهم للّه تعالى الذي هو من أعظم الظلم . قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ . مادة ( ق ر ي ) تأتي بمعنى الجمع فيصح إطلاقها على كل مجمع إطلاقا حقيقيا . وروي أنّ بعض القضاة دخل على علي بن الحسين ( عليه السلام ) فقال ( عليه السلام ) : « أخبرني عن قول اللّه تعالى : « وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً » ما يقول فيه علماؤكم ؟ قال : يقولون إنها مكة فقال ( عليه السلام ) وهل رأيت سرق